أنت هنا

ما بين التكفير والتخوين من صلة.

ّذ/ محمد روادي
9 فبراير 2016 - 00:15

التكفير والتخوين وجهان لعملة واحدة يتداولها السذج والجبناء في سوقهم النافقة. انه سلوك وتربية تسعى الى اقصاء الآخر وإبعاده وتهميشه ، سلوك وتربية لاتقيم لثقافة الاختلاف واحترام الآخر في رأيه، في تفكيره، في طرق عبادته، في ملبسه، في شرابه، في عاداته وتقاليده.. أية قائمة. وفي ذلك خرق صارخ لحق من حقوق الانسان الأساسية ألا وهو الاختلاف.

ان ثقافة التكفير القائمة على الحكم على الآخر بالمروق والزندقة والإلحاد و اخراجه عن مبادئ دين الجماعة، ثقافة ناتجة عن جهل كبير بالنصوص الدينية وبالحضارة بمعناها الثقافي و الأنتربولوجي.

لقد عانى من فكرة التكفير العديد من المفكرين و الأعلام وصاروا ضحية هذا التكالب وتأليب عامة الناس ممن يعادون الفكر والعقل. ولنا في التاريخ أمثلة عديدة نكتفي بذكرما يلي:

* القيلسوف اليوناني سقراط الذي اتهمه حكام آثينا بالكفر بآلهتهم وبإفساد عقول الشباب. والحكم عليه بالإعدام عن طريق شرب السم كثمن لاختلافه مع حكام آثينا الذين رأوا فيه مقض مضجعهم ومربك راحتهم بسؤاله الذي يوقظ من السبات العميق.

* ابن رشد الذي تكالبت عليه العامة ورمته حاشية السلطان بالكفر والإلحاد فأحرقت كتبه بضوارع مراكش وتمت بهذلته لا لشيء إلا لكونه اعتبر أن العامة لا ترقى الى مستوى الفهم الصحيح للدين على اعتبار أن الدين موجه الى الخاصة.

* السهروردي الذي اعدم لنفس السبب في أواخر أيام صلاح الدين الأيوبي وتحت امرة ابنه عندما أقر في حضرة هذا الأخير وبحضور ثلة من رجال الدين ممن أكنوا له الحقد والضغينة والحسد بأن "لاحدود لارادة الله " في جواب له على سؤالهم : "هل لارادة الله حدود؟".

* برونو جوردانوا الذي قطعت الكنيسة لسانه وبعدها أحرقته حيا سنة 1600 م لا لشيء إلا أنه دافع عن وحدة الوجود معتبرا أن كل اساءة للمخلوق هو اساءة لله في انتقاد واضح للكنيسة التي كانت تهين الناس وتستغلهم باسم الدين.

ومن دون الغوص في تاريخ الانسانية لاستحضار من كانوا ضحية الفكر التكفيري الذين يغص بهم التاريخ فلنا في الوقت الراهن ما يعفينا من ذلك. فما يحرك الحركات الاسلامية وبعض ممن ينصبون انفسهم أوصياء على الدين ناشرين فتاويهم التكفيرية في حق كل من يخالفهم الرأي وينظر الى الأشياء من زاوية أخرى غير الزاوية التي ينظرون منها مثالا واضحا لا يحتاج لا الى دليل ولا الى برهان ( ابو النعيم، المغراوي، النهاري.. والقائمة طويلة ).

ان ثقافة التكفير تغترف من دون شك من ثقافة الارهاب. على اعتبار أن بين النزعة التكفيرية والإرهاب علاقة وطيدة لا انفصام في عراها. انها اقصاء للآخر المخالف والمباين للأنا.

ولا تقل ثقافة التكفير عن ثقافة التخوين فهي الأخرى تغترف من منابع عقلية الاقصاء والتشويه والإبعاد وازدراء الآخر والتنقيص من قيمته. انه فعل شرير يبدأ من الكيد السياسي ليصل الى القتل الفعلي. انه ارهاب ليس إلا. ان ثقافة التخوين ليست بالجديدة بل هي الأخرى قديمة كان يلجأ اليها الحكام من أجل تشويه سمعة معارضيهم وتقديمهم على اساس أنهم أعداء الشعب وأعداء مصالح الوطن ويخدمون أجندات الجهات المعادية للوطن. ولقد استطاعت الأنظمة السياسية أن تخرق بعض التنظيمات السياسية والنقابية لتنفث في نفوس هذه الأخيرة( اي النتظيمات) سموم هذه الثقافة لتصير عملة وسلاحا في يد من يحس بأصابع الاتهام موجهة له على أنه عميل أو أنه كذلك ويتحين الفرصة الأولى لإبعادها عنه وإلصاقها بمن لا يقدر عليهم لا فكرا ولا فعلا. فهذا النوع من الممارسة يسمح للخونة والفاسدين والمفسدين بأن يتحركوا بكل حرية موهمين الآخر بأنهم المناضلين الحقيقيين. والنضال منهم براء براءة الذئب من دم يوسف.

فعندما يغيب الوضوح السياسي ويحضر الجهل العقائدي تنتشر ثقافة التكفير والتخوين. والمؤمن بهذا النوع من الثقافة يسمح لنفسه بممارسة كل أنواع القبح الانساني وبأحط وأخس الأسلحة كما أن الذي تتملكه ثقافة التخوين والتكفير لا يترك لنفسه مسافة تميزه عن الحيوانات فيسقط عن ذاته العقل كقوة تمكنه من نقاش الآخر ومقارعة آراءه بالحجة والدليل. انها ثقافة تعليب الأفكار وممارسة الوصاية وتوزيع صكوك ودرجات النضال والشرف والوطنية حتى. انها ثقافة لا تخدم في شيء النضال بل تخدم عكسه ونقيضه وتكرس عقلية الاستبداد بالارتكاز على منطق "كن مثلي والا اقصيتك" أو "أن من

لا ولي له فالشيطان وليه" بل تشكل ارضية لإقامة واعطاء المشروعية لأعتى الحركات انغلاقا ومعاداة لتحررالشعوب وتقدمها وعلى رأسها الصهيونية والحركات الارهابية.

بكل اختصار ان ثقافة التكفير وثقافة التخوين ثقافة البلهاء والمعتوهين ممن لايقوون على التفكيروعلى مقارعة الآخر ايديولوجيا وسياسيا ويكتفون بأننا لسنا هم الآخرون.انه فكر اختزالي الى حد السذاجة والغباء السياسيين، فكر يجد كل لذته في الاهتمام بالأشخاص ناسين ان العقول الصغيرة هي التي تهتم وتناقش الأشخاص على حد تعبير الحكمة الصينية.

تعليقات المقال على موقع الفيسبوك

- جميع المقالات و التعاليق المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس لموقع الفقيه بن صالح-نت أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية.

- تنشر فقط التعاليق المنشورة باللغة الفرنسية و الانجليزية و العربية .في التعليقات يمنع كنابة الحروف العربية بلغة اجنبية متل كلمة (salam).

- يمكنك استعمال لوحة المفاتيح العربية (clavier arabe) الموجودة على الرابط التالي clavier arabe