
ظل الشوق ينازعنا شهوراً في زيارة الفقيه بنصالح . لنا في المدينة أصدقاء و أصفياء و كتاب يعشقون الإبداع ويسقون ماء الكتابة بإصرارهم . في طفرة الهجرة ومواسمها السعيدة والحزينة تغير شكل المدينة . وستجد دائماً من يحدثك عن الفقيه بنصالح باعتبارها ممر العابرين إلى إيطاليا و موئل الباحثين عن أجزاء السيارات وهياكلها . نحن أيضاً كنا نبحث عن أجزاء مودتنا التي فرقتها تعاليم العشائر و نهفو إلى إرساء هيكل الحب الذي داسته سنابك الضغينة . وإحساس أهل المدن الصغيرة إحساس واحد : شعور بنوع من الغربة و الفراغ ، شعور حاد بالتهميش . من هنا ارتقى عبد الله راجع إلى معراج القصيدة ، هنا اكتوى بلهيب الشعر لأول مرة . و من هنا خرج متأبطاً حبه الكبير ، الحب الذي أعلنه علينا ومشى لا يلتفت .
لا نستطيع إطلاقاً تغييب الأبعاد الرمزية للمكان ، المكان الذي يمتلأ بالأسماء و الأصوات والأشياء الاستثنائية . لذلك إذن كان الشوق يحدونا إلى لقاء الفقيه بنصالح ، و هو ما تحقق بالفعل في بداية شهر فبراير من سنة 2008 . كانت فكرة عقد ملتقى وطني للقصة القصيرة جداً في هذه المدينة الصغيرة قد اختمرت منذ الصيف الماضي ، و كنا نحتاج فقط إلى الإنجاز الفعلي . الهواجس الأخيرة سويناها تدريجياً بالمجازفة و بغيرها .
صباح يوم الجمعة فاتح فبراير 2008 كانت طرق كثيرة تؤدي إلى الفقيه بنصالح . كنا قادمين إليها من مختلف الجهات ، و كانت هي وجهتنا الوحيدة ، و جهتنا جميعاً . جاء أصدقاء القصة و المدينة من تطوان و الخميسات و الدار البيضاء و سطات و برشيد و مراكش و بني ملال و مشرع بلقصيري وتاونات وغيرها ، كلٌّ على شاكلته .
الصالونيون ، و الصالونيات و مثلما حدث في رحلة أصيلا تحركوا من مدينة الدار البيضاء في ثلاث سيارات . كان التوقف الأول في سطات . الموعد في مقهى ” المنارة ” ، هناك انتظروني و جلسنا للحظات معدودة قبل أن نستأنف السفر .
مقام البروج نتجه صوب الفقيه بنصالح عبر سطات ، و هذا يعني أننا سنمر أيضاً بمدينة البروج التي لم تكن خلال هذا اليوم محطة مرور كريم ، بل فيها تناولنا غذاءنا و اختلس بعضنا لقاء بعض الوجوه . كانت أستاذتي الفاضلة الدكتورة ثريا لهي أول من لفت نظري إلى أسرة الكلاعي الأندلسية التي استوطنت بلدة البروج في زمن ما . و هي بالفعل من الأسر الباقية بالمدينة إلى الآن ، و بعضهم يسكن في قصبة القائد بوحافة . الأستاذة متخصصة في آثار أبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي و أنا كنت ربما قد أضعت بوصلة الرحيل . و ذات يوم ذكر لي الأستاذ الدكتور محمد مفتاح أن لسان الدين بن الخطيب وصل إلى بلدة البروج و ذكرها في بيت شعري بحثت عنه في ديوان ابن الخطيب بتحقيقه فأعياني العثور عليه . و بعض أهل البروج يفتخرون بهذه الإسم الذي يقولون إنه ورد في القرآن الكريم ! لكن بعضهم يقول ذلك من باب المزاح ، و ربما دس غيرهم عليهم ذلك فحرب المهاجاة والنقائض بين بني مسكين وأهل الشاوية مستعرة ما تزال .
و في مدينة البروج مزار يتبرك به البعض يدعى : ” سيدي حسن ” ، و المقصود به السلطان المولى الحسن الأول ، الذي نقل إلى البروج بعد وفاته في ” دار ولد زيدوح ” . و في البروج أُعلن خبر موته و تم عقد البيعة لخلفه المولى عبد العزيز . يصف الحسن بن الطيب بن اليماني بوعشرين تلك الظروف فيقول : ” .. و ساروا النهار كله ليقطعوا مسافة الخوف إلى محل الأمان ، و في العشية من نفس ذلك اليوم نزلوا في محل يسمى : ” البروج ” فأمنوا فيه على أنفسهم من أهل تادلة الذين تناهوا في الصعود و العروج إلى أن مالت بهم السروج . و لما استقرت المحلة في محلها و تكاملت باجتماع أهلها أظهر الحاجب المذكور موت السلطان بعد أن أحضر الوزراء و أرباب الدولة و العمال و العسكر و سائر الأعيان و عقد البيعة لنجله مولانا عبد العزيز و أمر بضرب البارود و إخراج المدافع حتى اصطكت الآذان من كل قريب وشاسع ، فأرهب بذلك الأعداء ورماهم بعضال الداء وجمع الكلمة بعد افتراقها وقوي عضد الدولة و رجالها و فكها من أوحالها ، و أصبح راحلاً أيضاً من الغد بجثة السلطان على هيئة حسنة و شارة مستحسنة ، و والى الرحيل ثمانية أيام ، وفي اليوم التاسع وصلوا لثغر الرباط .. (التنبيه) ” . سيظل أهل البروج يفتخرون أيضاً دائماً أن بلدتهم المنسية كانت عاصمة الدولة بين عشية و ضحاها . ولذلك بنوا في المحل المذكور ضريحاً أصبح الآن وسط مقبرة المدينة . و سبحان مبدل الأحوال ! في بداية القرن الماضي كانت الرحلة ما بين البروج و الرباط تستغرق تسعة أيام ، و ما أسرع ما صار ذلك يتم في بضع ساعات ، من غير أن نفكر في رحلة الجو طبعاً . و في هذا اليوم أيضاً كنا سنقطع الرحلة إلى الفقيه بنصالح في أقل من نصف يوم ، بما في ذلك الوقت الذي سنقضيه في البروج من أجل تناول “طاجين بلحم البقر ” .
و كثيراً ما يذكر الناس مدينة البروج و منطقة بني مسكين مرتبطة ب : ” الصردي ” ، و هي من أجود فصائل الغنم في المغرب . و قليلٌ من يعرف أن المفكر الكبير جاك بيرك أقام في هذه المدينة في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي ، و كانت ثمرة تلك الإقامة كتابه المهم عن عقود الرعاة عند بني مسكين .
مقام المقهى في موعد كالذي كنا معه على موعد في الفقيه بنصالح نؤرخ للقاءاتنا بالمقهى . ليس في المدينة قطارات سريعة ، و لا محطات انتظار ، و لا أبواب رسمية . شوارع مفتوحةٌ على السهل الكبير و طفرة في العمران . منتدانا زمامه أيضاً بأيدينا . أين أنتم ؟ نلتقي في مقهى العش ، بالقرب من المحكمة . تُرى ماذا لو كنا نقصد المحكمة ؟ ماذا يعني : نلتقي في المحكمة ، بالقرب من مقهى العش ؟ ها مقهى العش أمامك تمهل . نحتسي القهوة و نشرب الشاي و اللويزة و نتبادل التحايا و شجون الكتابة و السفر . و من بعد سنجلس مرتين أساسيتين في مقهى فرنسا ، و معظم المغاربة يفضلون الإسم منطوقاً باللغة الفرنسية حيثما وجدت هذه المقهى في مدن المملكة . للإسم رمزيته و دلالاته طبعاً ، Café De France ليس حلقة في سلسلة مقاهي كشأن بعض الماركات المسجلة ، بل هو مجرد اسم يطلق على سبيل استنبات الحداثة و جلب الحظ و التيمن بالنظير ، لا سيما في المدن الصغيرة .
في مقهى فرنسا كان يحدث التواصل بين مجموع القادمين إلى المدينة ، هنا النقاش الذي لا يضبطه مسيرٌ ، و الحوار الذي لا يستأذن فيه أحدٌ أحداً . هنا السجال الحر و حلقاتُ المذاكرة و المكاشفة ، أفكارٌ هادئة و أخرى تتلظى بلهب الحِدَّةِ . حديقة حقيقية للتواصل الثقافي قطفنا منها ما شئنا من الثمار اليانعة ، و صالون أدبي يتسع لأمنياتنا و أحلامنا . في مساء اليوم الأول لإقامتنا في الفقيه بنصالح غصت بنا جنبات مقهى فرنسا ، القادمون إليها و من استقبلنا من أهلها بالأحضان على السواء . و في صباح اليوم الثاني التأم شملنا أيضاً هناك ، و سجلنا موقفنا الصريح قبل أن نلتحق بمقر دار الشباب .