وعلى العموم فقد شهدت دار الشباب أم الربيع مساء يوم الجمعة فاتح فبراير 2008 قراءات قصصية أتاحت للمتتبعين الوقوف على طبيعة هذا النوع من القصة ، الذي نرى أنه دخل إلى دائرة السرد من باب التجريب ، ثم استطاع في ظرف قياسي استمالة مجموعة من الأصوات الباحثة عن التميز . و هذا الذي يسمونه قصة قصيرة جداً ، أشبه بشذرات قصصية ، أو هي نوع من التأملات التي تتفاوت تفاوتاً كبيراً من حيث العمق و مستوى الإيحاء . و إن المرء ليتوجس من أن تكون السهولة الظاهرة و الاقتصاد الكبير في جهد بناء نص إبداعي هي ما يغري كثيراً من الشباب بها .
و من حسنات الملتقى الجلسة النقدية التي واكبته . فالناقدة محمد رمصيص الذي يكاد يتخصص في نقد القصة قدم ورقة مهمة . و هو كعادته يسميها القصة الومضة ، و لكن حذار ! فالعرب تقول أومض البرق . فالومضة هي مقدار ما يومض البرق ، و قد يوجد من يقول إنها القصة البرق ، و هنا نكون قد دخلنا بالقصة إلى العبث من بابه الواسع . فإن البرق أو الومض حقاً قد يخلب الأبصار و لكن قلما يضيء درب القراءة ، و قلما يستطيع قارئ السير فيه ، أي في ضوء هذا البرق الخلب . و كونها انتشرت عند قوم آخرين ليس برهاناً ، اللهم أن تكون مجموعة مقاطع مشتركة في موضوع واحد . و أنا أعرف مقدار الدعم الذي يحشد لبعض الأجناس ، و هو أمر قليل الجدوى في ترسيخ مبادئ الكتابة و قيم الفن و الحياة . و لذلك فالاستنجاد ببعض الانطباعات في تأثيث فضاء ندوة معينة مجرد لغو سرعان ما سيذهب جُفالا ، وهي أخت جفاءً ، و لكنها قراءة كبير الرجاز رؤبة بن العجاج .
و في زاوية من زوايا دار الشباب تم عرض مجموعة من الكتب ، فيما يشبه حفل توقيع ممتد ومواز لفعاليات الملتقى . و كلما تعلق الأمر بحفل توقيع إلا و راجعت في نفسي مفهوم التوقيع بين الأمس و اليوم . معاجمنا و قواميسنا ، في الحقيقة بطيئة في الاستجابة لكثير من مظاهر التحول . كان التوقيع عند العرب وظيفة من الوظائف الرسمية للدولة ، يتولاها غالباً نحارير الكتاب و مصاقيع الفصحاء و جهابذة الكلام . التوقيع في الكتاب ، كما يقول ابن منظور إلحاق شيء فيه بعد الفراغ منه ، أي أن يجمل بين تضاعيف سطوره مقاصد الحاجة و يحذف الفضول . هذا ، و معرفة المقاصد من أعز ما يطلب على مر العصور . و معظم الناس ما عادوا يفرقون بين الجوهر و الفضول . و قد تحث ابن خلدون عن التوقيع فقال : ” و من خطط الكتابة التوقيعُ ، و هو أن يجلس الكاتبُ بين يدي السلطان في مجالس حكمه و يوقع على القصص المرفوعة إليه أحكامها و الفصل فيها ، متلقاة من السلطان بأوجز لفظ و أبلغه … و يحتاج الموقع إلى عارضة من البلاغة يستقيم بها توقيعه . و قد كان جعفر بن يحيى يوقع القصص بين يدي الرشيد و يرمي بالقصة إلى صاحبها ، فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء في تحصيلها للوقوف فيها على أساليب البلاغة و فنونها ، حتى قيل إنها كانت تباع كل قصة منها بدينار ” (المقدمة ). غير أن أكثر توقيعات الأدباء والكتاب المعاصرين في كتبهم عبارة عن تحيات يذيلونها بعناوينهم العادية والإلكترونية ورقم الهاتف الجوال . ولله في خلقه شؤون ، فقد صارت للناس ميادين أخرى للتنافس غير ميدان البلاغة .
و قد تهيأ لي أن أرى بقية من المروءة في بعض الكتاب . فبعضهم يتملى العناوين ، ثم يهم باقتناء نسخة و لا يفعل . و قد رأيت الصديق عبد الواحد كفيح مراراً يحرص على اقتناء نسخته من الكتب التي يريدها ، لا ينتظر الإهداء المجاني . و هذا أمرٌ في غاية الأهمية . فإن هذا الطوق المضروب على القراءة لا نفكه إلا اعتماداً على أنفسنا . رواج الكتاب ، الكتاب المغربي على الخصوص أمر محير . كيف لا نستطيع ترويج ألف نسخة من كتاب يطبعه صاحبه على نفقته ، بعدما يكاد يطير من الفرحة أو من شيء آخر ؟ في البلاد آلاف المؤسسات التعليمية العمومية و الخاصة و عشرات الجامعات و المعاهد ومؤسسات التكوين و مئات المكتبات التي من الضروري أن تقتني و لو نسخة واحدة من كل كتاب جديد يصدر . ومما لا شك فيه أن كل مكتبة أو خزانة إلا و لها اعتماد مادي خاص بالكتب ، و لو تم تفعيل هذه الآلية السابقة لكان من الطبيعي أن نسحب من كل كتاب جديد – مهما كانت طبيعته – خمسة آلاف نسخة ، على الأقل ، على أن ينفد في أقل من سنة فيعاد طبعه . و على أية حال فمعضلة توزيع الكتاب عندنا أيضاً معضلة ، إذ إن معظم الكتاب ليسوا كتاباً فقط ، بل هم في نفس الوقت ناشرون و موزعون و مصمموا أغلفة . كيف إذن تقوم عندنا للكتاب قائمة ؟ إذا لم يكن من الممكن تأسيس شركة خاصة لترويج الكتاب الثقافي / الإبداعي ، على غرار عكاظ مثلاً ، فعلى الأقل أن يجود الكتاب أنفسهم باقتناء و لو جزء مما تصدره المطابع ، و يحدثوا قطيعة جذرية مع عادة انتظار الإهداءات المجانية ، التي لا تؤخر صناعة الكتاب فقط ، بل تحول الكتاب نفسه إلى بضاعة مزجاة ثقيلة ربما على الاحتمال ، بضاعة قد لا تجد مكاناً لها على رف المهدى إليه الذي قد يتخلص منها بأية وسيلة . و في مكتبتي الخاصة كتب مهمة مهداه لأدباء و كتاب معروفين ، ما زلت أتساءل إلى الآن كيف وصلت إلى أن تباع في أسواق الخردة ، أحياناً بسرعة مذهلة !
مقام الطريقلا يمكننا أن نفصل الطريق إطلاقاً عن طبيعة الملتقى و موضوعه . كاتب ينطلق من تطوان متوجهاً نحو الفقيه بنصالح ليحضر افتتاح المنتدى في المساء ، تخيلوا . الكاتب من فرط التزامه و الفرحة يصل في الساعة التاسعة صباحاً . الجو باردٌ جداًّ و غائمٌ . و التي أكملت شغلها مساء نفس ذلك اليوم على الثالثة مساءً بالدار البيضاء أيضاً أسرعت إلى الفقيه بنصالح ، لأن في مثل هذه الملتقيات السمر المحايث والصالونات الأدبية الموازية لا تقل أهمية عن الجلسات الرسمية .
و في الطريق نتحدث عن كل شيء ، مما له علاقة بالفكر و الأدب بطبيعة الحال . أحدنا لما وجد نفسه على مدخل سطات عبر عن دهشته لقصر المسافة بينها و بين الدار البيضاء . و لا أعتقد أن السبب الوحيد لاختصار الوقت و اقتصاد الجهد هو فقط الطريق السريع الذي لا يرهق السائقين و المسافرين ، الأحاديث المتشعبة و الطرائف البديعة و البوح الجميل أيضاً أمورٌ تختصر المسافات . يموت الإحساس بالتعب في رحلة ممتدة عبر سهول الشاوية و تادلة الفيحاء . و عما قريب نصل إلى مدينة تحمل اسم فقيه بالمعنى الشائع الدارج عند المغاربة للفقيه . و إذا لم يكن ذلك صحيحاً فقد ند عني الوقوف على علمه واستدراكاته الفقهية . هذا ، و قد بذلت الوسع منذ وصلنا في سبيل الوقوف على مصادر تاريخ المدينة وتراجم رجالها بدون جدوى . قد وصلنا إذن ، لكن الطريق إلى القصة ما يزال بعيداً . ما أبعد طريق الكتابة و الإبداع ، هذا الطريق الذي كان دائماً فادح المسار باهض الثمن . ما حيلتنا في الأمر إذن ؟ كلما كنت في طريق تذكرتُ – على الأقل - قول درويش :
تضيقُ بنا الأرضُ أو لا تضيقُ . سنقطعُ هذا الطريقَ الطويلْ
إلى آخر القوسِ . فلتتوتَّرْ خطانا سهاماً . أكنا هنا من وقت قليلْ
و عما قليلٍ سنبلغُ سهمَ البدايةِ ؟ دارت بنا الريحُ دارتْ ، فماذا تقولْ ؟
أقول : سأقطعُ هذا الطريقَ الطويلَ إلى آخري … و إلى آخرهْ .
(ورد أقل)
مقام الدمعمنذ البداية هممتُ أنا على سبيل المزاح و لم أفعل ، و كل شيء كان على ما يرام : صباحٌ جميلٌ وحلمٌ و أقمارٌ .. الناس في الشارع أيضاً سعداء و طيبون . آنذاك فتح الولد المصطفى سجل الدمع بالتخفيف و التضعيف . بعد انصرام عهد الدهشة و زوال غبش الذهول سيستأنس الأمل شيئاً فشيئاً بمدارج هذا السمو الذي حارت الأفهام في أوصافه . و التي سفحت دمعها على رصيف السراب ، السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً ، الظمآن الذي لن يرتوي أبداً ، لأن الارتواء مثله مثل الامتلاء دونه الابتلاء في زمن قد ترك لكل واحد شغلاً في نفسه . و عجبت لمن يخرط القتاد دون حفنة من الجلود و يترك المروءة تنتحب في العراء ، لكن ما قيمة مثل هذا العجب ؟
مقام الصداقة و الأصدقاء :إن الذي يرغبنا في مثل هذه الملتقيات الأدبية أكثر هو لقاء الكتاب و الأدباء الذين نعرفهم و الذين نلتقيهم لأول مرة ، و ما ننسجه على الهامش من علاقات و برامج و مشاريع . و قد أتيح لنا في الفقيه بنصالح بالفعل أن نلتقي مجموعة من الأدباء لا سيما من كتاب القصة ممن لم أكن قد التقيتهم من قبل في هذه الرحلات الثقافية التي ينظمها الصالون الأدبي بالتنسيق مع فروعه و شركائه ، و من جملة الأدباء الذين تجاذبت معهم الحديث في هذه المناسبة أو استمعت إلى قراءاتهم و تدخلاتهم :
عبد الغني فوزي : تعرفت على الشاعر عبد الغني فوزي منذ سنوات خلت ، و كانت هذه هي المرة الأولى التي ألتقيه فيها بالفقيه بنصالح . وظل عبد الغني دائما وفياً للصورة التي رأيته عليها أول مرة. كان معنا في الملتقى يراقب الجميع من الصف الأخير ، صمته يضفي عليه من المهابة ما يحاوله غيره عبثاً . و الواقع أن نصوص عبد الغني فوزي مثل شخصيته تتسم بالعمق و بعد الغور . وكتابه “الهوية المفتقدة ” نثر جميل ، و فيه يسجل عبد الغني مواقف مشهودة يحق لأبناء جيله أن يفخروا بها . وجمعية التواصل الأدبي والثقافي التي يترأسها عبد الغني فوزي بالفعل جمعية للتواصل ، و هي مثال ساطع لنجاح العمل الجمعوي عندما تتوفر له الإرادات الصلبة و النوايا الحسنة .
الطاهر لكنيزي : كان الطاهر قد مر من مدينة البروج قبلي يوم لم يكن ثمة شعر و لا نثر . وذات يوم من سنة 2003 التقينا بمراكش للمشاركة في ندوة عقدت تحت عنوان : الشعر في مواجهة العدوان ” . كان العدوان على العراق و غيرها من ثغور الأمة في أوج عنفوانه ، و كان العالم يتفرج بدم باردٍ على المشهد الأكثر مأساوية ربما في هذا العصر . ماذا كان ينبغي أن نقوم به حتى نحافظ على جدارتنا بالانتماء إلى الإنسانية ؟ كانت أياماً عصيبة لا توازيها إلا ضراوة الجنون . في ذلك المساء بمراكش تم لقائي الأول بالشاعر الطاهر لكنيزي الذي كاد يسقط فوزه بجائزة مفدي زكريا سهواً . و تحول لكنيزي بأخرة إلى كتابة القصة القصيرة، و على أية حال فقد عرفته من الأدباء الذين يولون لأمر اللغة في الكتابة أهمية خاصة ، على الرغم من كون تخصصه الأساسي هو اللغة الفرنسية و بها يأكل الخبز .
زهرة رميج : كان أول لقائي بالأديبة زهرة رميج في المعرض الدولي للكتاب لسنة 2007 ، وذلك على هامش حفل توقيع مجموعتي القصصية الأولى . ” تحديق في الفراغ ” برواق دار التوحيدي . و تكررت لقاءاتنا بمناسبة أنشطة الصالون الأدبي بنادي الهمذاني بالدار البيضاء . أديبة لها شغف كبير بالقصة و الرواية ترجمة و إبداعاً ، منصتة جيدة لمستجدات مشهدنا الثقافي . في بعض المنتديات يحدث عن يغادر أحدهم القاعة بمجرد انتهاء دوره ، و كأن لسان حاله يقول : جئت لأقول و يستمع الآخرون . لا يتصور نفسه مستمعاً إلى غيره إطلاقاً . أنا رأيت مثل هذا مراراً . و بعضهم لا يحب أن يصفق للآخرين . في دار الشباب بالفقيه بنصالح تركت زهرة رميج حديثنا الخاوي و دخلت مهرولة إلى القاعة لتنصت إلى مداخلة بدأت ، و كان ذلك سلوكاً تستحق عليه كل احترام و تقدير .
جبران أبو مروان الكرناوي : و قد ظل وفياً للقصة و صالوناتها . و تعددت لقاءاتنا لا سيما في سطات . ذات يوم حدثني عن مشروع جمعية يحمل من الآمال ما تقر به عين الأديب ، و أشهد أن الكرناوي قد فكر في تكريم أحمد بوكماخ قبل أن نفكر نحن في الصالون الأدبي في إحداث جائزة تحمل اسمه خاصة بالإبداع التلاميذي في القصة القصيرة . و اليوم عندما أذكر مدينة برشيد لا بد أن يتبادر إلى ذهني صوت جبران أبو مروان الكرناوي .
محمد الحاضي : كان ملتقى الفقيه بنصالح فرصة لقائي الأول بالأديب محمد الحاضي . في المغرب : القاضي و القاطي و الحاضي ، و تلتبس الأسماء أحياناً . و سمعت اسم محمد الحاضي لأول مرة على هامش إحدى حلقات الورشة القصصية التي تنظمها مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب ، و لعله القاص مصطفى جباري هو من أخبرني بأن مجموعة البحث بصدد إخراج مجموعة قصصية للأستاذ الحاضي . فيما بعد عرفت أن الحاضي من مشرع بلقصيري . و إذا كان لقاء بلقصيري للقصة القصيرة قد عرف هذا النجاح المطرد فإن لذلك نصيباً لا يخفى لهذا القاص المتفتح بالتواضع المنفتح على الناس و الأشياء .
حسن برطال : كنت دائماً أرمقه ، ولعله كان أيضاً يرمقني دون أن يتم التفاعل الفعلي بيننا . وقد رأيته في الحقيقة مراراً في مختلف أنشطة الصالون الأدبي بالدار البيضاء . وهو لذلك أحد الأوفياء المخلصين لهذه الجمعية الفتية التي إنما قويت بمثل مواظبته على حضور أنشطتها و وفائه لأهدافها . كاتب قصة قصيرة جداً ، يبدو لي متكتماً أكثر مما ينبغي و إذا ركنتَ إلى مساجلته فشلال هادر . لكنه أيضاً حسن الإنصات ، شديد الحذر . لين الجانب دمث الأخلاق .
محمد فاهي : و هو أديب وديع ، و روائي انخرط في الكتابة من سنوات . و جمعتنا أمسيات القصة قبل أيام الفقيه بنصالح ، و بالضبط في دار الشباب بالبروج . و كان صديقنا الحسين مهديوي واحداً ممن رسخوا لدي ألفة الكاتب محمد فاهي أحد الأصوات الأدبية الأساسية اليوم في مدينة الفقيه بنصالح . وهو فضلاً عن ذلك رجلٌ هادئ الطبع طويل التأمل . لما التقيته في الفقيه بنصالح هذه المرة لم أكد أتعرف عليه حتى اضطر أن يعرفني بنفسه . غير أنني وجدته هنا أكثر أناقة و تألقاً .
مليكة الشجعي : و قد حلت بيننا في الفقيه بنصالح باعتبارها القاصة الفائزة بجائزة القصة القصيرة جداً ، في دورتها الأولى – دورة إبراهيم بوعلو . و هي أديبة في ميعة الشباب كانت طول الوقت متوحدة مع الذي رافقها من الدار البيضاء ، و لم نر من الوجاهة أن نسألها عن صلة الوصل . أنا في الحقيقة حثثتها على الاندماج في المجموعة و اغتنام فرصة ذلك الجمع من القصاصين الذي من المستحيل أن يتحقق مرة ثانية ، كما كان . مليكة الشجعي شجعناها على المضي قدماً في طريق القصة القصيرة إذا شاءت .
صلاح الدين شكي : و هو من أدباء بني ملال المقلين المغمورين ، ينشر نصوصه في بعض المواقع الإلكترونية ، و يبدو من الحديث إليه أنه حريص على متابعة الكثير من مستجدات حقل الثقافة والإبداع ببلادنا . و هو فضلاً عن ذلك متسلح بالثقة في النفس و قوة العزيمة ، و لن يندم إطلاقاً بسبب انفتاحه على الآخر و لا على كثرة ما يطرحه من أسئلة .
الحسين حمي : و هو من المهتمين بالكتاب و الساهرين على ترويجه ، و أسس مع آخرين جمعية خاصة لهذا الغرض . و لم تظهر غيرته و حبه للأدب في تجشم الحضور إلى الفقيه بنصالح في ذلك اليوم البارد فحسب ، بل أبان عن كرمه الجم في استضافة أنشطة و منشورات الصالون الأدبي بالمعرض الدولي للكتاب إذا ما تمكنت جمعيته من حجز رواق خاص لها فيه ، بطبيعة الحال .
عبد المجيد تناني : و هو رجل تعليم و مسؤول إداري ، غير أن ذلك لم يقعد به عن دعم النشاط الثقافي و الإعلامي الموازي في المدينة . و باعتباره أيضاً مراسل CASA Fm و هي إذاعة جهوية جد مسموعة في المنطقة قام تجاه ملتقى القصة القصيرة جداً بما يلزم ، و حرص على أن نستمع رفقته ، في سيارته إلى المراسلة الخاصة بالحدث و إلى انطباعات ليلى الصالونية .
مقام الشكر الخاص :و بعد ، فما كان لملتقى الفقيه بنصالح أن يقام لولا تضافر جهود المنظمين والمشاركين على حد سواء . اليوم تقام أنشطة في بعض الجهات يحضرها أناس قليلون ، وبعضهم يساق إليها رغباً و رهباً ، وفي نهايتها يغنم المشاركون التعويض المادي المحترم . في أمكنة معزولة ، في فضاءات هجرها ساكنوها موحشة تقام مثل تلك الأنشطة التي يحضرها أفراد قليلون . ولأننا لا نكذب أهلنا و لا نمن عليهم و لا نمنيهم و لأننا نحبهم فعلاً فإنهم يحبوننا و يتحلقون حولنا بكل ما يملكون من رصيد المودة و الحب . وبشيء من هذا الرصيد أقمنا ملتقى القصة القصيرة جداً بالفقيه بنصالح . ليس لنا من رصيد آخر غير هذا الحب ، و ليس لنا من تجربة إلا تجربة الإصرار التي توحدنا جميعاً .
كانت رحلتنا إلى مدينة الفقيه بنصالح على إيقاع الشوق إلى لقاء أصدقائنا وأصدقاء القصة هناك ، و فارقناها ببالغ التأثر . و عرفاناً بجميل أهلها و أياديهم الكريمة البيضاء علينا فإننا نزجي لهم جزيل الشكر و سابغ الحمد ، و أخص منهم السيد السني المتأدب المحجوب العرفاوي الذي لم تتح لي فرصة الحديث إليه ، و قد رأيته اضطلع بتسيير جلسة النقد بكل كفاءة و اقتدار . و الشكر أيضاً للسيد عبد اللطيف نجيب الذي أحاط الملتقى بعناية حضوره الفائقة ، و للسيدة أمينة سبيل التي عرفت كيف توظف طاقتها وثقافتها الجمعوية في تأطير فقرات الملتقى . و إننا لا ننسى طبعاً الفرقة الموسيقية و عازف العود الذي أطربنا بمجموعة من المقامات الشجية .

و قام الشاعر و القاص عبد المتقي للملتقى على قدم و ساق بمرحه الطفولي و نشاطه اللامع وحركته الدائبة ما بين مختلف الفضاءات التي كنا نأوي إليها ، محاطاً بأزر السيد الفاضل أخيه الذي تكفل بتصوير أهم لحظات اللقاء طافحاً بالبشر و الحبور . و كانت أجواء الود العائلية حاضرة بقوة لدى مختلف الإخوة في الفقيه بنصالح ، من جنود الخفاء و التجلي . و لئن كان الشكر يسد بعض الواجب تجاههم فلقد وجب علينا نكتب أحرفه بسلسبيل الذهب و نرصع به هاماتهم حيث كانوا . و فضلاً عمن ذكرنا سابقاً فقد شملنا القاص عبد الواحد كفيح بسابغ عنايته و موفور عطفه و حدبه ، فكان يتفقدنا واحداً واحداً مثل ما يفعل الأب مع أبنائه ، و نتمنى أن نكون في المستوى . فإن جائزتنا هي الصدى الذي يكون الملتقى قد خلفه في المدينة ، هذه المدينة التي ينبغي أن نكن لأهلها كل مظاهر الاحترام و التقدير .
د. المهدي لعرج - سطات في 6 فبراير 2008
الفقيه بن صالح -نت تشكر كل من شارك و ساهم في هذا الملتقى و شكرا لك د. المهدي لعرج على هذا المقال الذي يستحق القراءة أكثر من مرة...