اختتمت فعاليات مهرجان موازين يوم السبت على إيقاع الموت بعد الكارثة التي أدت إلى مقتل وجرح عدد من الجمهور الغفير الذي أتى من كل فج عميق ليقوم ليلة عطلة نهاية الأسبوع راقصا على إيقاعات الستاتي. على أية حال لا نملك إثر هذه الفاجعة الأليمة سوى الترحم على الضحايا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.انتهت "الليالي العشر" التي جعلت من مدينة الرباط مرقصا كبيرا استقطب "المريدين" من كل بقاع المملكة، وسط صخب المنصات التسع الكبرى التي شيدت بإتقان كبير في أحاء الرباط، وخاصة منصة حي النهضة المعروف بهدوئه فانطلقت كبريات الحفلات بين مساجد ومؤسسات الحي الإعدادية والثانوية في شهر الإعداد لامتحانات الباكالوريا وباقي المستويات، فأريد للتلاميذ والطلبة أن يهيؤوا لامتحاناتهم على "إيقاعات العالم" لعلها تدخل عليهم البهجة مما ينشط عقولهم "اللاواعية" ويساعدهم على مزيد من الاستيعاب والتركيز.
افتتاح المهرجان هو الآخر كان جد متميز، فقد جاء مصادفا ليوم الجمعة الذي تيمن به المغاربة عبر الزمن فاعتبروه عيدا للمؤمنين، واختاروه يوما للانتخابات، وها هي انطلاقة المهرجان العالمي تكون في نفس اليوم، وبالضبط هذا اليوم الذي صادف الذكرى الحادية والستين لنكبة فلسطين. افتتح مهرجان موازين بحفلة ساهرة بمنصة السويسي لنجمة الإثارة الجسدية، المغنية الأسترالية كيلي مينوغ (Kylie Minogue) التي أبدعت في الظهور بأزياء مختلفة تظهر أدق تضاريس جسدها المثير والذي لم يكف عن التمايل في حركات إيحاء متقنة، رفقة الفرقة التي لم تقل إثارة عنها في عرض جريء لأول مرة على الهواء الطلق (ويكفي بحث سريع في موقع اليوتوب لمشاهدة الفنانة المبدعة أمام جمهور الرباط) إذا استثنينا سهرة موازين العام الماضي بالأوداية والتي نزع خلالها مغني فرقة "منحرفون" الإسبانية آخر قطعة من ملابسه وبدأ بالتراقص أمام الجماهير في عرض جديد غير من النمط التقليدي الذي مله الجمهور.
لما أشاهد مراسلات القناتين لموازين 2009 يعود بي الحنين إلى أيام "مهرجان الرباط" الجميل، والذي كان ينظم خلال شهر يوليوز أي بعد نهاية الامتحانات، وكانت الثقافة والفن الجميل يتجليان في جل فعالياته. أجل، أتذكر الخيمات البيضاء وسط شارع محمد الخامس، والتي احتضنت أروقة لمكتبات المدينة، اقتنيت خلالها كتبا عدة أتذكر منها كتاب "سقوط الحضارة الغربية" لأحمد منصور، وبعض مؤلفات المنفلوطي كمختاراته و"العبرات" و"في سبيل التاج". أتذكر كذلك عروض فرقة المسرح الوطني التي لم يكد يفوتني أي منها بمسرح محمد الخامس. أتذكر سهرات باجدوب الأندلسية والعروض الجميلة لفرق من أوربا الشرقية بقصر التازي، والشاشة الضخمة بالأوداية التي عرضت أفلاما هادفة للحضارات كشريط "بوذا الصغير". كما أتذكر العروض المفتوحة خاصة بساحة حي النهضة السابقة، والتي رغم صخبها كانت أجمل وأرقى من عروض اليوم، فكانت تصلنا للبيت أصوات فرق مثل ناس الغيوان، وجيل جيلالة، والسهام، وتكدة، إضافة إلى فرق أخرى أتذكر منها فرقة صينية كانت تبدع في تقليدها لبعض الأغاني المغربية والعربية.
انتهى العرس الكبير، لكن اختتامه عوض أن يكون احتفاليا بنجاح التظاهرة، كان جنائزيا للحادثة المفجعة والتي آلمتنا جميعا. لكن كل حدث لا بد وأن تؤخذ منه الدروس والعبر، فعندما تفتتح بعض اللقاءات والأنشطة بآيات من القرآن الكريم، فذلك من أجل أن يبارك المولى عز وجل فيه ليختتم بالتضرع له جل وعلا أن يتقبل ذلك في "ميزان" الحسنات. من يدري؟ ربما أريد من افتتاح المهرجان يوم الجمعة التيمن بهذا اليوم المبارك، لكن كان من الممكن أن يفتتح بشكل أنسب وحرمة عيد المؤمنين، وأكثر احتراما لجرح فلسطين لعل ذلك يكون سببا في حفظ الله لجمهور الرباط من مثل كارثة السبت المؤلمة.
oussama scout
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته



