رتب لخدمات احصائيات و ترتيب المواقع | جهة تادلة أزيلال - احصائيات و ترتيب

حين حكى طه حسين سيرة المعذبين في الأرض ..

حلت أمس ذكرى ميلاد عميد الأدب العربي طه حسين عام 1889 . وفي السطور التالية نقترب من أحد أشهر كتبه بعنوان "المعذبون في الأرض" والذي يفضح التفاوت الطبقي الرهيب الذي كان سائدا فى بلادنا قبل الثورة وقوانين الإصلاح الزراعى والعمل والعمّال التى صدرت بعد قيامها بقليل، ذلك التفاوت الذى يقول طه حسين إنه جعل يلتفت إليه ويحس بما يترتَّب عليه "من هذه الفروق الحائلة بين الأغنياء المترفين والفقراء البائسين".

فصول الكتاب تلتقي بعضها مع ما كتبه المفكر الفرنسي فولتير تحت عنوان "حال الدنيا" حيث يبحر طه حسين في عذابات الناس وحال الدنيا في انعدام العدالة والمساواة ، ويقترب المؤلف من مصر التي يزداد فقراؤها فقرا وأغنياؤها غنى .

ويصف المؤلف مصر فيجدها منقسمة بين طبقتين، فئة بائسة محرومة ، وهي الغالبة، وفئة أخرى لا تحفل بهؤلاء وتعيش في ترف ، وكانت الحكومات تسترضي الفئة الثانية لا الأولى للأسف .

ويحكي طه حسين عن مصادرة كتابه قبل الثورة، مثلما كان يفعل أيضاً نظام مبارك قائلاً: في بعض ذلك العهد نشرت هذه الأحاديث متفرقة، فلم تحفل بها الحكومة القائمة ولم تلتفت إليها، ولكنها جمعت ذات يوم في كتاب وأردت أن تصل لأيدي القراء لتعظ المسرف وتعزي المحروم، وأحاول أن أفهم مصدر هذا الخوف الذي أفزع الحكومة فحرمت الكتاب في مصر، فلا أجد إلى فهمه سبيلا فالكتاب ليس سياسيا، ولا يحرض على النظام الاجتماعي بشكل ينكره القانون، وليس من فصوله فصل إلا وقد نشر في مجلة أو صحيفة سيارة فلم تنكره الحكومة ولم تضق به النيابة ولم يقدم كاتبه وناشره إلى القضاء.

الأدب في رأي كاتبنا الكبير وسيلة للمقاومة ورفع الظلم وعن ذلك يقول: إنالأدب قهر بغي البغاة، وأفلت من رقابة الرقباء، وسجل على الظالمين ظلمهم، وعلى المفسدين إفسادهم، وأنشأ بينه وبين القراء لغة جديدة  يفهمها الأدباء وقراؤهم.

من بين قصص الكتاب التي تكشف الطبقية قصة "المعتزلة" التي تحكي عن أسرة قروية بائسة تتكون من أم عجوز قبيحة شديدة القِصَر متلاشية الصوت، اسمها "أم تمام" قد فقدت بعض أسنانها وانحنى أعلاها على أسفلها على نحو بشع جعلها أقرب ما تكون إلى العجماوات، وإذا مشت خُيِّل للناظر أنها كرة تتدحرج على الأرض، تجمع روث البهائم من الطرقات وتصنع منها أقراصا تجففها وتبيعها وقودا تستعين بثمنه على ضروريات الحياة، وولدين يشتغلان فى بناء الأكواخ يوما وينقطعان أياما، وبنتٍ فى نحو الثالثة عشرة يتصارع فى وجهها وملامحها القبح والجمال ولا تشتغل بشىء. وكانت هذه الأسرة رغم فقرها المدقع ورثاثة حالها تعتصم بكرامتها فلا تمد يدها إلى أحد ولا تقبل معونة من أحد مما أكسبها احترام الناس وكراهيتهم معا.

يقول حسين عن الأسرة: ولم تحاول أم تمام قَطّ ولم يحاول أحد من بنيها قَطّ الاتصال بالناس إلا حين كانت الضرورة المُلِحّة تضطرهم إلى ذلك اضطرارا، فقد كانوا يحتاجون أحيانا إلى أن يشتروا الطعام ليقيموا أَوَدهم. وكانت أم تمام تحتاج أحيانا إلى أن تبيع، فقد كان يعرض لها فى بعض الوقت أن تخرج إلى الطريق الزراعية العامة، وأن تلتقط من هذه الطريق رَوْث البقر والجاموس تقطعه قِطَعًا متقاربة وتجففه على سقف بيتها وتتخذ منه وقودا لتطبخ إن أُتيح لها الطبخ، وتبيع فَضْله بين حين وحين لبعض نساء القرية بالقروش أو بعض القروش توسِّع بذلك على نفسها وبنيها.

ولم يخطر لأحد من المُوسِرين ولأهل الدارين اللتين كانتا تكتنفان بيتها أن يَبَرّوا هذه الأسرة بقليل أو كثير من الخير، لا لأن الموسرين كانوا يبخلون بالمعونة على الذين يحتاجون إلى المعونة، بل لأنهم فى أكثر الظن قد همّوا أن يَبَرّوا هؤلاء الناس فردّوا أيديهم فى شىء من التعفف الذى لا يُحَبّ من الفقراء، فكفَّ الموسرون عن محاولة الرفق بهم والتوسيع عليهم فى الرزق.

وكذلك نظر أهل القرية إلى هذه الأسرة على أنها أسرة ثقيلة سمجة ليست منهم وليسوا منها فى كل شىء. وكان أهل القرية مع ذلك يتحدثون فيما بينهم عن هؤلاء الناس فى إشفاق كثير لا يخلو من سخرية، ويقول بعضهم لبعض: لولا الكبرياء لأصاب هؤلاء الناسُ عيشا أرقَّ رِقّةً وأرفه لينا.

ويُلِمّ الوباء بالقرية فيما يلم به من المدن والقرى، ويفجع الناس فى أنفسهم وأبنائهم وذوى قرابتهم ومحبتهم، وتكون أم تمام فى طليعة الذين يفجعهم الوباء، فهو يختطف ابنيها فى أقل من خمسة أيام، وهى مع ذلك هادئة ساكنة مطرقة بجسمها كله إلى الأرض، لا يرتفع لها صوت بالإعوال، ولا ينخفض لها صوت بالنحيب، وإنما هى مقيمة فى بيتها، وقد آوت إليها ابنتها كأنما تنتظران أن يُلِمّ الوباء بهما ويختطفهما كما اختطف الغلامين.

وانتظرت أم تمام الموت، في غير طائل، ثم تبدلت أحوالها، أصبحت لا تألف بيتها ولا تحب الاستقرار فيه، كانت أم تمام تخرج من بيتها حين تشرق الشمس، تحاول أن تتنسم رائحة الموت تندفع إلى يمين أو إلى شِمَال، ثم لا يراها الناس أثناء النهار كله إلا فى دار من هذه الدور التى ألم بها الموت وقام فيها المأتم يندين ويبكين.

وكانت أم تمام تصل إلى هذه الدار أو تلك فلا تقول لأحد شيئا ولا تلقى إلى أحد سمعا، وإنما تقصد المأتم الباكيات وتجلس حيث ينتهى بها المجلس، لا ترفع صوتا بإعوال ولا تخفض صوتا بنحيب، حتى إذا بلغت حاجتها من البكاء فى هذه الدار تركتها إلى دار أخرى ثم إلى دار ثالثة. وما تزال كذلك حتى ينقضى النهار، لا تكلم أحدا ولا يكاد يكلمها أحد، ولا ترد على الذين يكلمونها رجع الحديث.

وتنتهي القصة بمحاولة أم تمام أن تغرق نفسها وابنتها فى القناة الإبراهيمية، فأسرع أهل القرية إلى استنقاذهما، ولكن الموت سبقهم إلى الشيخة وسبقوه هم إلى الصبية، التي تصاب بالجنون

Additional Info