رتب لخدمات احصائيات و ترتيب المواقع | جهة تادلة أزيلال - احصائيات و ترتيب

الإثنين05212012

Last update07:48:26 PM

منافقون بلا حدود

مادام الفقراء لايملكون شيئا غير سلطة  الأخلاق، ومادام لانفوذ ولا مال لهم... فإن السلطة الوحيدة  المتبقية لهم ليمارسوها على بعضهم البعض هي سلطة الرقابة الأخلاقية أي القوة والسلطة لأكثرنا ايمانا وتقوى. يستمع الأطفال منذ طفولتهم المبكرة ألأف النصائح والأوامر والنواهي التي تعلي من قيمة مظاهر كالصلاة والتقوى والصلاح وحسن السلوك والإبتعاد عن المعاصي من زنى وتدخين وخمر وموبقات، ومن كثرة ارتباط كل مسارات التربية بهذه القواعد السلوكية الصارمة يتعلم الإنسان الحكم على الأخرين بناءا على هذه السلوكات بعينها (الأخلاق القلبية) وتصبح هي المقياس الذي يتحاكمون إليه لمعرفة صلاح بعضهم البعض من فسادهم.{jcomments on}
صيف السنة الفارطة قررت شراء بعض الملابس وأثناء قيامي بجولة وسط الحوانيت دخلت إلى إحداها لأجد شخصا ملتحيا و علامة الصلاة مطبوعة على جبهته، ولما حييته كاد يبكي من كثرة التقوى والايمان .اقتنيت كل لوازمي من محله (في  خرق سافر لقوانين زوجتي في التبضع التي توصيني دائما أن لا أشتري كل بيضي من سلة واحدة) وكلما لمست شيئا أعجبني أقسم صاحبي التاجر بأغلظ الأيمان أنها "كاليطي" و"واعرة" وأن الثمن الذي وضعه لها لم يسبق له أن باع به لزبون قبلي وأن...وأن... بعد شهرين علمت أن كل مافي الأمر أني وقعت ضحية "السلطة الأخلاقية" التي مارسها علي صاحب المحل ب لحيته المنسدلة المخضبة ودينار (درهم) الصلاة على ناصيته الأدمية وكلامه المعسول المليئ ب "قال الله" و " قال الرسول" والتنهد والتحسر وغيرها.خصوصا، وحتى لاأنسى، أنه أخبرني بمجرد دخولي إلى متجره أنه عائد لتوه من صلاة العشاء.

وكما يكفي الرجل في مجتمعنا (ليكون رجلا صالحا) لحيته ودينار الصلاة وبضع قطرات من السلوكات الإيمانية.  فإن المرأة يكفيها  غطاء تضعه على رأسها ولباس محتشم  وعينان خفيضتان إلى الارض لتصير" أمة صالحة  لربها".

بعد زواجي بثلاثة أشهر ؟أقمت في عمارة سكنية. وأثناء  مروري من الممر الذي أشترك فيه مع خمس عائلات يشغلون خمس شقق . أثناء مروري المتكرر كنت أصادف أحيانا امرأة متحجبة تضع وجهها في الحائط وهي ترد علي " السلام" من كثرة الحشمة والوقار والتقوى. تحدثت في الأمر مع زوجتي وأخبرتها أن هذه المرأة  أصلح صديقة لها تؤنسان وحدة بعضهما البعض. وبالفعل لم يمر وقت طويل قبل أن تتعرفان إلى بعضهما البعض. ولم يمر وقت أطول لتكتشف زوجتي أن السيدة التي تهرول لأداء الصلاة كلما سمعت الأذان تعتبر بطلة العالم في الحديث عن الناس بسوء وإطلاق الإشاعات المغرضة عن الناس وإفشاء أسرارهم وفضح أخطائهم والنبش وراء أفعالهم في السر والعلن. كما اكتشفت أشياء أخرى لاداعي لذكرها.

من الطبيعي اذن أن  نلبس كلنا أقنعة أخرى حتى لاتظهر  بوجهنا الحقيقي البشع. وأذكانا وأكثرنا سلطة هو الذي لايسقط عنه القناع أبدا ( وهذا مستحيل)، وأكثرنا سلطة كذلك هو من يتقن أصول لعبة  الاستتار والاختباء وحبك دور المواطن المؤمن الصالح.

ولكن سلطة الأخلاق هذه تضمحل وتختفي عندما تصطدم  بسلطة  المال والنفوذ.

ليبقى الفقراء على قيد الحياة،  عليهم أن " يديرو عين ميكة" على تصرفات من  هم أعلى مرتبة لأنهم في حاجة الى المال للاستمرار في العيش، أما الرقابة الأخلاقية فلن تكفل لهم " طرف الخبز". مع الأعلى مرتبة لاتتحدث غير الأخلاق الميكيافيلية. أخلاق المصالح المشتركة.

إليك 30 ألف درهم وتوسط لولدي  حتى يصير " حارس أمن".

خد 40 ألف درهم واحكم ببراءة ابني من تهمة الاغتصاب.

إليك 200 درهم وقم بإرسال الأجوبة إلى ابنتي في قاعة الامتحان.

خد 2000 درهم وصادق على عقد ميلادي المزور.   

إليك  كرطوشة مارلبورو وطاقم الطاوس الأصيل و امنح ابنتي نقطة المرور إلى الثالث ابتدائي.

خد مائة درهم واسمح لي بالمرور أولا عند الطبيب.

إليك 500 درهم وامنحني شهادة طبية مزورة أتغيب بها عن العمل لبضعة أسابيع.

فقط التفتوا حولكم وسترون الألف الأمثلة التي تأخذ معينها من الغش والتدليس والمحسوبية والرشوة والاختلاس.

ندلس على بعضنا البعض حتى صار كل شيء مزور من حولنا.

أحذية مزورة.

ملابس مزورة.

حليب مزور.

زيت زيتون مزور.

زبدة مزورة.

أدوية مزورة.

خدمة سباكة مزورة.

خدمة نجارة مزورة.

خدمة كهرباء مزورة.

كل شيء مزور. أدخل إلى مطبخك، وافتح دولاب ملابسك، افتح ثلاجتك، تأكد من الخشب الذي صنع منه دولاب ملابسك، ومن "الجلد" الذي صنع منه حذائك، افتحوا علب الحليب وابحثوا عن الحليب فيها، ثم اغمسوا خبزكم في إناء زين زيتون وابحثوا عن طعم الزيتون فيها، وتذوقوا الزبدة  لتنسوا حيوانا اسمه البقر، وافتحوا زجاجات الليمونادة وابحثوا عن " الغاز" والمذاق ، ثم اشربوا دوائكم واذهبوا للبحث عن أمراض جديدة في جسمكم يسميها  دوائكم أعراضا ثانوية.

فقط اسألوا والدتكم لتحكي لكم عن خيبة أملها في "مصففة الشعر" و"الخضار" و" مول الحوت" واسألوا والدكم ليحدثكم عن خيبة أمله في " النجار " و "السباك" و " الكهربائي"  و "الأستاذ" و " الطبيب" و " المحامي" و " المهندس" و " القاضي" . اسألوه ليحكي لكم، فقد جرب كل هؤلاء وفهم  منذ زمن طويل تراتبية السلطة في زمن التخلف.

نحن في حاجة إلى أن ندلس على بعضنا البعض لنبقى على قيد الحياة. فقط علينا أن  لانكشف عن هذا التدليس على بعضنا البعض.ويستمر الجميع في أداء دوره هي هذه المسرحية الكبرى بعد مقتل الشخصية الأهم في سيناريو " الانسان"، شخصية العقل. و بعد كل هذا يتنطع الكثيرون بالمبادئ الإسلامية السمحة و يتباكون على ضياع الأخلاق و هم يرونها بالفعل تهدر كل يوم على أيدي أفراد خير أمة أخرجت للناس..

هؤلاء الفقراء لو لم يحصوا على بعضهم البعض خطواتهم، ولو أزالوا عن عقولهم أنهم غير مسؤولين عن أفعالهم ومصائرهم، ولو تركوا تلك الرغبة الدفينة في السيطرة تنمو وتتطور بالتعلم والمعرفة، لو فعلوا كل هذا لكانوا أقل فقرا ولما احتاجوا إلى كل هذا القرف وإلى العلاقات الاجتماعية المريضة التي لا تعترف إلا بتراتبية السلط، لأن عقولهم لا تكفل لهم سبل النجاح.

نخلص إذن  إلى القول أن السلطة الرقابة الأخلاقية لا تمارس من الأسفل إلى الأعلى أبدا (من فاقد المال والسلطة إلى صاحبها). بل تمارس فيما بين نفس الطبقة الاجتماعية أو في اتجاه الأسفل. أما  قمة الهرم فتمارس السلطة السلطوية (التي يخولها لها المال والنفوذ) لتغذية الإحساس بالتفوق والسيطرة (لأن هؤلاء أشبعوا الرغبة الأولى في البقاء على قيد الحياة فيما قاعدة الهرم " الفقراء"   تقاتل لإشباع الرغبة الأولى وحسب البقاء على قيد الحياة). أما السلطة القائمة بين أفراد قمة الهرم فهي " أخلاق المصالح".

عبد الكريم القمش

Additional Info