المد الثوري الصاعق يزحف على الطغاة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد السلام العزوزي
لم يكن يعتقد أحد من الحكام العرب على الأقل، وزمرتهم الممتلئة بطونهم بما لا يحق لهم من خيرات هذه الأمة ، وحتى الجهات المانحة لشخصية" طاغية" مدفوعة الأجر مسبقا، لم يكن في نيتها أبدا، رغم علمها بما يجري من تفاصيل الظلم والقهر اليومي بهذه الأنظمة الطاغية،أن يشهد العالم العربي هذا المد الثوري الجارف لكل الطغاة والجبابرة الجاثمين على أنفاس هذه الأمة العظيمة منذ أكثر من نصف قرن، والساحب لهم على وجوههم نحو المسخ المشهود والفضيحة الكبرى التي يوثق جزئياتها وحيثياتها ويرتق تلابيبها تاريخ الألفية الثالثة عبر ساحات اتسعت لأصوات الشعوب التواقة إلى الحرية والعزة والكرامة والشهامة، ساحات سمتها رياح الثورة الربيعية العربية بساحات التغيير، وساحات الحرية، وساحات الكرامة، ثم ساحات الخلاص، حيث تتخلص الشعوب الثائرة من طغاتها إما بالفرار(زين الدين العبدين بن علي) أو بالتنحي ( محمد حسني مبارك، علي عبد الله صالح) أو بالقتل (معمر القذافي) واللائحة لا تزال مفتوحة، ليأتي يوم الحساب والعقاب في الدنيا قبل الآخرة.
ولم يكن يعتقد هؤلاء الطغاة أن يكون لحادث بسيط، ذاك الذي حدث لمحمد البوعزيزي -يرحمه الله- مع شرطية نظام تونس البائد، وهو يسترزق قوته اليومي من خلال تجارته المتجولة بشوارع تونس الخضراء، لما فاجأته شرطية "نظام بن علي"بصفعة على خده، بعدما صدت في وجهه كل أبواب الرزق من خلال وظيفة محترمة تناسب مؤهلاته العلمية.
أكثر ما كانت تقع مثل هذه الأحداث على مستوى الخريطة العربية من المحيط إلى الخليج، ولم يكن يعطى لها أي اهتمام يذكر، وفي أحسن الحالات كانت تسحب من البائع المتجول عربته وتجارته إلى الأبد ، وتسمح له بأن يذهب إلى الجحيم الدنيوي، حيث معاقل الفقر والتهميش والتخدير والضياع، مع حزمة من السباب والشتائم والحط من الكرامة الإنسانية.
"البوعزيزي" خالف العادة وأشعلها نارا في جسمه، حفاظا على كرامته، حيث ليس هناك من خيار سوى ما أقدم عليه مجبورا في عهد الظلم والجبروت وكبت الأنفاس. أشعلها"البوعزيزي" نارا في جسمه وهو غير راض على ما فعله في حق نفسه أمام ربه، لكنه اختار النار بدل الظلم الذي مرغ كرامته من قبل امرأة لا سلطة لها سوى سلطة زيها المخزني المستمد سلطته وجبروته من تسلط قمة هرم الطغاة ، فأشعلها نارا قضت عليه وعلى أخضر الطغاة بدءا بنظام دولته وطغاتها بتونس الخضراء،مرورا بالفرعون طاغية مصر الحبيبة، وهلم جرا...
ولا زالت نار" البوعزيزي" تزحف على كل معاقل أمثال هؤلاء الطغاة في كل من بلاد حضر موت (اليمن) وبلاد الشهيد البطل عمر المختار (ليبيا)وبلاد الشام (سوريا) وبلاد المليون شهيد (الجزائر) وسيستمر هذا الزحف حتى تطهير آخر ربع من ربوع هذا الكون الجميل من أمثال هؤلاء الطغاة الجبابرة الفاسدين الأكالين السحت، إلا من استيقظ باكرا، واتعظ وتواضع لله، وتفقد رعيته ليل نهار، وعاين أحوالها ومعاشها، ونشر العدل والمساواة والفضيلة في البلاد وبين العباد، وأقر ترسيخ قيم الأخلاق الكونية والحضارية النبيلة، ورفع من همم شعبه ومن مستوى عيشه وكرامته وأمنه.
هذا الحادث العابر في سابق الأزمنة العربية والعالمية، لم يعد عابرا اليوم في عهد الشبكة العنكبوتية التي جمعت المجتمع الكوني في قرية صغيرة وعلى طاولة واحدة هي طاولة الفايسبوك facebookوالتويترtweeter واليوتيوبyoutub ، وكونت مدا ثوريا جارفا على كل الأنظمة الطاغية في العالم العربي وغيره، هدفه تطهير الأرض من هؤلاء الغاصبين الفاسدين الحاقدين الماكرين الأكالين أرزاق شعوبهم وأممهم بغير موجب حق.
لم يعد دعم الطاغية الكوني( الأمريكي) يجدي نفعا في إبقاء طغاته المبثوثين في كل الدول المتخلفة على حالهم وجبروتهم ، أمام هذا المد الثوري الكوني الذي لا يؤمن بالحدود ولا بالقيود ولا يأبه للمسافات ، فالشبكة العنكبوتية شحنته بالقوة والعزيمة والإرادة ، وقربت بينه المسافات، وأجلسته على طاولة الحوار بغية لم شمل الشعوب الكونية من أجل الدفاع عن مصير الإنسان وحريته وكرامته كيفما كان لونه وجنسه و عرقه و تربته وعقيدته، مما حال دون تمكن الطاغية الكوني من التحكم في السيطرة على ما حدث من ثورات هنا وهناك، وعجز عن مساعدة طغاته المحليين والإقليميين والحؤول دون إسقاطهم من على كراسيهم، كراسي عظمة الدولة العسكرية المستبدة التي كانت تمده بكل خيرات هذه البلاد،من نفط وغاز وغيرها من خيرات باطن الأرض، دون حسيب ولا رقيب، من أجل حماية مأجورة مسبقة ومدفوعة بالعملة الصعبة، ضدا على إرادة الشعوب المقهورة سلفا.
هؤلاء اتحدوا في جبهة واحدة عبر الشبكة العنكبوتية : ملبين صرخة دوت منذ زمان في قلب الشرق الأوسط المكلوم غنتها "جوليا بطرس" يا ثوار الأرض ... ثوروا على الطغيان...
هؤلاء هم المد الثوري الصاعق للألفية الثالثة، يعلن باسم الشعوب العربية أولا، وباسم الشعوب الكونية المسلوبة الكرامة ثانيا، أن هذه الشعوب ذاقت كل أنواع العذاب والتنكيل والتقتيل والتجويع والترويع، واستبيحت كرامتها وتم تلويث وتشويه ضميرها، يعلن هذا المد الثوري،أنكم أيها الطغاة الجبابرة، قد أبدعتم في تشويه أخلاقنا ومسخ قيم حضارتنا الإنسانية باسم الحضارة والحداثة والذلموقراطية الفارغة، إلا من جراثيم المسخ والهذيان والابتذال والكآبة والفقر والتردي الذين أشبعتم بطونهم من أجل تخويفنا وترويعنا، من خلال منحهم مناصب وامتيازات لا حق لهم فيها سوى لأنهم أذنابكم وصغائر جراثيمكم وطغاتكم.
هذا المد الشعبي الثوري الخلاق الذي أبدعته الشعوب الحرة التواقة إلى العدل والكرامة والأمن والمساواة. القابض بأعناقكم كالأخطبوط الجارف على كل القيم الفاسدة التي اجتهدتم في تثبيتها وترسيخها على مدى زهاء نصف قرن من نهاية الحرب العالمية العسكرية، ونهاية المد الاستعماري البغيض على كل أرجاء الكون الذي استعظم آنذاك بالقوة والسلاح، فدارت طاحونة الحرب البشرية، هو من رحم الشعوب- أي المد الشعبي الثوري الخلاق- التي استعملت حطبا لإشعال فتيل الحروب التي خلفت الخراب والدمار هنا وهناك وهنالك، وكنتم أيها الطغاة الجبابرة في هذه الحروب وفي ساعات من الضيق كذلك، كنتم تتفننون في إعطاء الأوامر ونسج الخطط الحربية السفيهة والعقيمة الماسخة لكل القيم البشرية النبيلة التي تحرم الظلم والاستبداد والاستعباد فيما بين العباد.
كنتم كذلك أيها الطغاة الجبابرة وصدقتكم شعوبكم أنكم كنتم صفوة الثوار ونواة الأحرار المؤمنين بقيم العدل والمساواة والإخاء، قاتلتم من على كراسيكم ومن خلال أبواقكم المنتشرة هنا وهناك من أجل جلاء الاستعمار وتحرير الأرض والعباد والحلم بالمستقبل بالحرية للوطن، بالكرامة بالعزة والسيادة. كانت هذه المفردات النظيفة والجميلة والأخاذة تثلج صدور الأرامل واليتامى والمسجونين والمسحوقين في أقبية المستعمر، كانت هذه الكلمات بمثابة أكسجين الحياة،تتسلل بين ثنايا صدء الزنازين الضيقة المبللة بالنتانة والمضرجة بحكايا كل أشكال العذابات والآهات والبؤس، تتسلل إلى الشرفاء ، إلى المجاهدين الحقيقيين الثوار الفاعلين والفعليين الذين واجهوا الاستعمار بكل ما استطاعوا من قوة وعزيمة مسترخصين أنفسهم وأموالهم وأبناءهم وذويهم من أجل استنشاق هواء الحرية والكرامة ونبل الإنسانية وسيادة الوطن وحب أبنائه له ولذويهم واقتسام ثمار الثروة، ثمار الجهاد والمقاومة بالتساوي فيما بين أبناء الوطن لا فضل لهذا عن ذاك، إلا بالجد والاجتهاد والخلق والإبداع.
إلا أن الشيطان الطاغية الذي كانت أبواقه منتشرة في كل الأرجاء بعيدا عن كل المخاطر ساوم في الوطن والمواطنين من أجل نيل حب وود كرسي العظمة، ولما جلس فوقه وأحس بدفئه، زاد شغفه به، فتملكه الجشع،فثار الكرسي-العظمة والفخامة- على صاحبه،الحاكم الآمر الناهي، فأصبح كرسي الحكم، السيد الحاكم في حاكمه، وانقلب السحر على الساحر،فلم يعد الحاكم يرى للرأي سدادا سوى رأي كرسي العظمة والفخامة، وليس من تدبير سديد للحاكم سوى تدبير الشيطان وتأشيره، وليذهب الجميع إلى الجحيم. وهكذا تحملق حول الرئيس الذي شرع في تكوين الشخصية الكاريزمية لنفسه الطاغية، شياطين صغار عديدة لا تفقه إلا في تدمير الكرامة البشرية وفي مسخ القيم الإنسانية المبنية على الأخلاق النبيلة.ذلك فقط لكي يسود الحاكم ويحكم ويصول ويجول في أرزاق الناس ويتفنن في تعذيبهم بلا حسيب ولا رقيب، يضخم من ثروته، بقدر ما يضخم من جماجم شعبه في أقبية الظلام، وكأنه سيعيش أبد الدهر، ويوزع على أرذل شياطينه وصغار جبابرته خيرات الوطن حتى تنتفخ بطونهم ووجوههم وتعلو أوداجهم، وتكبر مؤخراتهم على غير طبيعتها. في ما يذهب باقي الشعب ليلتقط فتاتهم أو لينصرفوا إلى جحيم الدنيا، إذا ما ناوشوا أو طالبوا بحقهم في حياة كريمة بسيطة لا غير. كل ذلك من فعل حب الدنيا والجشع بدفء الكرسي /العظمة/.
هذا المد الشعبي الثوري ، بعد مرور هذه العقود الظلامية الفاسدة لطغاة لم تكن لهم من لغة للحوار، سوى لغة الحديد والنار، التي ما تزال تنطق بها مختلف أسوار وزنازين الأوطان المسلوبة الإرادة والسيادة الحقيقية والكرامة الإنسانية، ولم يزل الحبر لم يجف بعد من تدوينه لهذه المحطات التاريخية المخزية التي مزقت شرايين هذه الأمم المكلومة ضمنها الأمة العربية الإسلامية ، التي هي خير أمة أخرجت للناس، أمة القرآن العظيم، أمة الأخلاق النبيلة، أمة نكران الذات، أمة التضامن والتكافل،أمة الفضيلة ، أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمة التواضع، وليست بأمة الكبروالفساد والجشع والجبروت والطغاة.
إذن، أنتم أيها الطغاة، انسحبوا من حياتنا، انسحبوا من أمتنا، لستم منا ولا نحن منكم ، انسحبوا بكل تلاوينكم وكل شياطينكم وكل عذاباتكم وقهركم، انسحبوا ليلا على بطونكم المنتفخة بالأكل الخبيث والمال الحرام قبل فوات الأوان.
أيها الطغاة، إن الثورة مستمرة ، إما أن تنسحبوا ، أو تسحبكم، رغم ثقل جثامينكم إلى ساحات المشنقة، حيث تقتص منكم الشعوب النظيفة الحرة ما سرقتموه منها طيلة جبروت حكمكم. فخذوا العبرة ممن سبقوكم إلى الفرار خارج دواليب الدولة والعظمة، يجرجرون الحسرة على خاتمتهم المقيتة والمهينة، التي لم تكشف لهم عنها خوارق سحر كبيرة عرافاتهم وكبير مشعوذيهم وعظيم سحرتهم الذين خروا مسحورين ومبهورين لعبقرية ونبل ثورة الشباب العربي الذي ما زالت نار الثورة الحارقة تمتد أخطبوطيا نحو كل البقع المدنسة من قبل سفاسف القوم وطغاتها كبر شأنها أو صغر.
إن المد الثوري الزاحف من كل حدب وصوب على هذه البقع المتعفنة بالفساد والمفسدين والقابض فيها الطغاة على أرواح المقهورين والمظلومين بقبضة من حديد والمنتشرة في أغلب بقاع الكون ، لما تزهر ثورة الربيع هذه التي لم تكن فقط ثورة عربية محضة ، إنما في نظري، فهي ثورة شاركت ولا تزال تشارك فيها مختلف الأطياف الكونية بتجلياتها الحقوقية والمدنية والسياسية .لما تزهر هذه الثورة وتبدأ الشعوب تجني ثمارها الفعلية والواقعية، عليها بأن تصوب زحفها اتجاه طاغية الشرق الأوسط إسرائيل التي زرعتها المنظمات الصليبية قسرا على أصحاب الأرض الأصليين مدعمة إياها بالمال والسلاح الذي يخنق أنفاس الفلسطينيين الأشاوس على مدى حوالي قرن من الزمن ، في المقابل يتم تقزيم الإرادة الفلسطينية في قيام دولتها على أراضيها التي تعترف لها بها الكتب السماوية، وكل المراجع التاريخية، هذا الطاغي الأمريكي وكل أذنابه المدعمين لتوسيع مساحات إسرائيل السكنية ونشر الفكر الصهيوني البغيض، رغما عن أنف المواثيق الدولية ورغما عن كل الأصول والأعراف الحقوقية الكونية والدولية.
إذن يا خير أمة أخرجت للناس،ويا شعوب الكون الأحرار، هبوا في ثورة سلمية ، حضارية لتخليص الشرق الأوسط من الطاغوت الأسود الجاثم على صدر الأمة العربية والإسلامية، وتخليص الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة من جور وظلم المد الصهيوني البشع الذي يسجن في أقبيته المظلمة آلاف الفلسطينيين البواسل منذ عشرات السنين، ولتكن ساحة القدس الشريف، هي آخر ساحات الخلاص من الطغاة المبثوثين في مختلف أرجاء هذا الكون، ولتكن هي نهاية لكل هذه الصراعات البائدة، وبدء صفحة جديدة قوامها العدل والمساواة، والشراكة الندية والمتكافئة، والتعاون والتضامن البناء السليم من كل رغبات ونزوات و ضغوط شخصية مصلحية قذرة، لا تجر إلا الويل والثبور على شعوب هذا الكون البهيج.
عبد السلام العزوزي*صحفي وكاتب